الأقيال نيوز

2024-02-27 7:06 صباحًا

رئيس الموقع:ياسر الصيوعي

التصنيفات
أخبار المحافظات

قبائل طوق صنعاء تخوض مواجهة صامتة لمقاومة نزعة الهيمنة الحوثية

شارك:-

ل

للمرة الثانية شنت مليشيا الحوثي حملة عسكرية على قبليين في منطقة “صرف” التابعة لقبيلة بني حشيش شرقي صنعاء، التي ينتمي كثير من أبنائها لجماعة الحوثي، بسبب نزاع على أراضي وإيرادات وإتاوات مالية تنتزعها المليشيا قسرا من السكان.

في الشهرين الماضيين، اندلعت اشتباكات عسكرية بين مليشيا الحوثي ومسلحين قبليين في المنطقة ذاتها مرتين على الأقل، وقتل فيها عناصر حوثية، بجانب مدنيين ومسلحي القبائل. لا يقتصر الأمر على بني حشيش، بل شملت الحملات الحوثية قبائل همدان وبني الحارث وبني مطر وأرحب فيما يعرف بطوق صنعاء القبلي.

وطوق صنعاء القبلي له تأثير كبير على الأحداث السياسية والعسكرية فيها وفي تاريخ اليمن، ولم تسيطر مليشيا الحوثي على صنعاء في 2014 إلا بعد استكمال سيطرتها العسكرية على القبائل المحيطة بها باستثناء أرحب التي سيطرت عليها بعد أربعة أشهر من سقوط صنعاء.

وتعتمد قبائل طوق صنعاء مثل بني حشيش على الزراعة، وتحتاج إلى الوقود والمحروقات، وفيها سدود وتوفر احتياجات صنعاء والمدن المجاورة من منتجات الخضروات والفواكه والقات، أو الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالعقارات مثل الكسارات أو بيع الأحجار والنيس المستخدم في مواد البناء، أي أنها قوى إنتاجية، ويملكها غالبا ما يسميها الباحث عبدالهادي العزعزي الكتلة غير الموالية، باعتبار الكتلة الموالية للحوثي قد استنزفت في الحروب.

ويتوقع من الكتل الاقتصادية أن تكون لها انتفاضات محلية أو مجموعة مطالب باستمرار، في ظل غلاء فاحش، وانقطاع المرتبات، وغلاء الوقود، وضرائب وجبايات حوثية مرهقة يدفعونها دون تمثيل سياسي لهم نظير هذه الجبايات، ولا خدمات عامة، كما لا يحقق القتال في صفوف الحوثي عوائد مالية مغرية أو يعتمد عليها لمواجهة ظروف المعيشة.

وتشير الحملات العسكرية الحوثية على مناطق القبائل واستهدافهم، إلى فجوة تتنامى أكثر فأكثر بينهم وبين السكان الذين جندت كثيرا منهم في حروبها العسكرية غير المنتهية في مختلف جبهات الحرب.

ويقول باحثون منهم الكاتب سليم عبدالعزيز إن الحوثي يدرك تماما أن العلاقة بينه وبين القبائل تعتمد في الأساس على الهيمنة العسكرية ودمج القبيلة والمجتمع في مصالح الحوثي، لإجبار القبائل على الانخراط بقوة في مشروع الحوثي، من خلال التجنيد بين صفوف أبناء القبائل وتمويل تلك الحملات. يهدف الحوثي إلى تغيير ديمغرافي في بنية الطوق القبلي لصنعاء، بالسيطرة على الأرض، يساهم في تعزيزها قاعدة بيانات غير مكتوبة لدى الهاشميين بأن أراضي القبائل ملك لهم، وهناك أيضاً قواعد عسكرية في تلك المناطق يستغلها الحوثي مبررا للسيطرة على العقارات، وفق الدكتور علي الذهب.

. كما يسعى الحوثي إلى مواجهة الخطر الذي يمكن أن يشكله رأس المال في طوق صنعاء، ويسعى إلى السيطرة عليه، وإعادة تكييفه كاملا لصالحه، ولو كلف ذلك الدخول في حروب متعددة ضد القبائل على انفراد، خاصة أن الحوثي قد بسط سيطرته الفعلية كثيرا على رأس المال في المدن، وهو أهم أهداف مليشيا الحوثي.

ويعتقد سليم عبدالعزيز أن الحوثي يكثف من جهوده للتغلغل في البنية الاجتماعية والاقتصادية وإعادة إنتاجها وفقا لمصالحه الخاصة.

خلال السنوات الماضية من الحرب دفعت القبائل آلاف من أبنائها قتلى في صفوف الحوثيين، دون أن يكسب الحرب بشكل حاسم، رغم ادعائه ذلك، أو ما يسميه باحثون وهم الانتصار، خاصة أن خريطة السيطرة على الأرض لم تتغير عما كانت عليه منذ منتصف مارس 2015، وهو ما ساهم في نمو مشاعر اليأس من الانتصار النهائي، وإضافة سؤال آخر منهم للحوثي: لم قتلت آلاف الأفراد في حربك من أبنائنا في حرب خاسرة؟

تمثل الهدنة تحديا للحوثي بعودة المقاتلين إلى قراهم ومناطقهم، إذ تخشى المليشيا أن يتحول هؤلاء المقاتلون إلى قوى محلية لهم أجندتهم نظير القتال معها، خاصة وهم داخل حاضنتهم وقبائلهم فتعمل على استباق ذلك بإخضاع شديد للقبل، حتى يعود المقاتلون يعيشون في جو من الخضوع التام وفق تصريح الباحث عبدالهادي العزعزي.

من جانبه يقول الباحث الذهب إن هناك فجوة تتسع بين القبائل والحوثي، لكن من الصعب وفق الظروف الحالية أن تتحول إلى ثورة، ويحدد ثلاثة عوامل لذلك: استقرار سياسي للحوثي، ونشوء تكوينات سياسية يمكن المقاومة من خلالها، وملء المركز السياسي القبلي الذي كان في حاشد قبل سقوط الجمهورية.

وفعلا؛ كانت قد ظهرت شعارات كما في بني مطر الشهر الماضي تتساءل إن كانت حملات تجريدهم من أراضيهم مكافأة لهم على قتالهم في صفوفه، أو حتى العناصر المفقودة من أبنائها منذ سنوات.

أمر آخر وفق الخبير العسكري د. علي الذهب أن أبناء القبائل منقسمون الآن بين الحوثي وضده، وفقا للمصلحة والضرر التي لحقت بالطرفين.

الحوثي يقر بوجود العداء ضده من القبائل: تتوجس جماعة الحوثي خيفة من القبيلة عموما، رغم محاولات الدمج القسرية لها عقديا في الأيدلوجية الحوثية، ويظهر القلق الحوثي جليا من خلال تكرار التحذير من الفتنة، أو الاختراق، أو العمالة بما فيها بيانه في 21 مارس الماضي، بأن عناصره في الجبهات ضد الحكومة، مستعدون لتغيير أولوياتهم في مناطق سيطرته، لقمع أي انتفاضة ضد الجماعة.

ولمعالجة توسع الفجوة بين الجماعة وعموم أبناء القبائل يسعى الحوثي بنشاط مدعوما بقوته العسكرية للاستيلاء على القوى المالية من أبناء القبائل خاصة العقارات بلافتات الزكاة والضرائب والأوقاف وغيرها لكبح جماح أي تمويل ذاتي قد تستخدمه في تمويل مقاومتها ضده.

وحتى الآن، يعتمد الحوثي في استراتيجيته تلك على القوة العسكرية بدرجة رئيسية، ثم ما يعتبره النصوص القانونية، للاستيلاء على المراهق العقارية، والنصوص الدينية للزكاة والأوقاف، والعرف القبلي لتحقيق أهدافه.

.وأمام هذه السياسة الحوثية تدرك القبيلة أنها مستهدفة من قبل الحوثي، وتسعى بوسائل شتى؛ مثل اللجوء إلى القضاء، رغم السيطرة الحوثية عليه، إقامة للحجة، و لانتزاع وحماية أموالها، أو للاعتصامات كما حدث في قرية “العرة” بهمدان، أو النكف القبلي وأعرافه، وفي أحايين أخرى، للمقاومة المسلحة التي تقود إلى وساطات لحل النزاعات.

وخلال فترة الهدنة اندلعت اشتباكات قبلية محدودة في حجمها، لكنها متكررة بشكل لافت، خلفت قتلى وجرحى كما في بني حشيش وهمدان وبني مطر في الشهرين الماضيين، ولدت موقفا قبليا يتنامى فيه شعور عام بضرورة المواجهة الشاملة لجماعة الحوثي تحت لافتة الدستور والقانون، وبما يعيد تعريف العلاقة بين الحوثي كحكومة وبينهم كمواطنين، وهو بالضرورة يعني أن موقف القبل يتطور إلى الضد من الحوثي الذي يريد ترسيخ العلاقة بين إمام مطلق الصلاحية من الله ورعايا تجب عليهم طاعته ولو قسرا.

واعترف عبدالملك الحوثي في خطابات متعددة له، باستنزاف قوته في هذه القضايا، لكنه لا يفكر أبدا بالتراجع عن سياساته المعادية للقبيلة، بل يصر على القوة العسكرية، متبوعة بإرسال مجموعة من المشايخ الموالين له لإقناع القبائل بأن إجراءاته إجراءات دولة، ولا تستهدف المكون القبلي.

متى يمكن أن تتحول المقاومة الشعبية إلى خطر على الحوثي؟

من خلال مقاييس كمية لعدد الحملات العسكرية الحوثية على القبائل وصل بعضها إلى عشر حملات عسكرية في السنوات الأخيرة على همدان وحدها تقريباً، إلا أنها تنامت باضطراد منذ بدء السنة الجارية، وخاصة في فترة الهدنة.

عبدالهادي العزعزي يقول إن التململ حقيقة واقعة ضد مليشيا الحوثي، ويساهم فيه انهيار الغطاء الأخلاقي للحوثي في حربه بعد ثمان سنوات من القتال، والاحتجاجات التي تضرب إيران الداعم الأول للحوثي، لكنه ليس خطرا بحد ذاته وفق العزعزي، إنما تكمن الخطورة في إمكانية الترابط بين القبائل يقوم على الضد من الحوثي، ولذا ينفرد الحوثي بالقبيلة واحدة تلو الأخرى. ما يخشاه الحوثي موقفا قبليا موحدا، بدأت مؤشرات تكوينه فعلا على مستوى محدود، من بعض قطاعات الأعمال، وهناك اعتصام عابر للقبيلة يجمع أصحاب الكسارات والنيس من قبائل بني الحارث وبني حشيش ونهم الذين دخلوا في إضراب موحد رفضا لجبايات حوثية باسم الزكاة دمرت أعمالهم.

رغم ذلك، يمتلك الحوثي قوة عسكرية هائلة تمكنه من هزيمة أي قبيلة على انفراد، لكن التوازن يمكن أن ينشأ إن تحركت القبائل معا، ويشترط العزعزي لهذا التحرك معا إنشاء تنظيم سياسي يوظف العباءة القبلية، وليس تنظيما قبليا، يقوم على هدف واضح ومحدد يوحد القبائل، ويبني الثقة فيما بينها، يعمل على تنظيم القبائل باعتبارهم شركاء وليس أتباعا، أو ما يقوله آخرون استراتيجية جمهورية لتوظيف هذا الغضب الشعبي ضد الحوثي.

إذاً؛ رغم كل التحديات، تمثل المقاومة الشعبية القبلية ضد الحوثي إرهاقا واستنزافا للجماعة وتؤثر فيها وفي معنويات أتباعها. لكنها ما زالت في مربع رد الفعل وليس الفعل، وهو أمر يمكن الحوثي من امتصاص هذه المقاومة حتى الآن، لكن الطبيعة العقائدية والاجتماعية الفئوية والثقافية للحوثي وحتى السياسية والعسكرية لا أمل لها بالازدهار في المستقبل.